ابن قيم الجوزية

613

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) [ الرّحمن : 60 ] : « فالإحسان : جامع لجميع أبواب الحقائق . وهو أن تعبد اللّه كأنك تراه » . أما الآية : فقال ابن عباس والمفسرون : هل جزاء من قال « لا إله إلا اللّه » وعمل بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا الجنة ؟ وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قرأ ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) ثم قال « هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ؟ » . و « أما الحديث : فإشارة إلى كمال الحضور مع اللّه عز وجل . ومراقبته الجامعة لخشيته ، ومحبته ومعرفته ، والإنابة إليه ، والإخلاص له ، ولجميع مقامات الإيمان . درجات الإحسان قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما ، وإبرامه عزما ، وتصفيته حالا » . يعني إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء : أحدها : تهذيبه علما ، بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذّبا به . منقّى من شوائب الحظوظ . فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم . و « العلم » هو اتباع الأمر والشرع . والثاني : إبرامه عزما ، و « الإبرام » الإحكام والقوة . أي يقارنه عزم يمضيه ، ولا يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه . الثالث : « تصفيته حالا » . أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب ، التي تدل على كدر قصده . فإن الحال مظهر القصد وثمرته . وهو أيضا مادته وباعثه . فكل منهما ينفعل عن الآخر . فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه . قال : « الدرجة الثانية : الإحسان في الأحوال . وهو أن تراعيها غيرة . وتسترها تظرفا ، وتصححها تحقيقا » . يريد بمراعاتها : حفظها وصونها ، غيرة عليها أن تحول . فإنها تمر مرّ السحاب . فإن لم يرع حقوقها حالت . ومراعاتها : بدوام الوفاء ، وتجنب الجفاء . ويراعيها أيضا بإكرام نزلها . فإنها ضيف . والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل . ويراعيها أيضا بضبطها ملكة . وشدّ يده عليها ، وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ناهب . ويراعيها أيضا : بالانقياد إلى حكمها ، والإذعان لسلطانها إذا وافق الأمر . ويراعيها أيضا : بسترها تظرفا ، وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه . لئلا يعلموا بها . ولا يظهرها إلا لحجة ، أو حاجة ، أو مصلحة راجحة . فإن في إظهارها بدون ذلك آفات عديدة . مع تعريضها للصوص والسرّاق والمغيرين . وإظهار الحال للناس عند الصادقين : حمق وعجز . وهو من حظوظ النفس والشيطان . وأهل الصدق والعزم لها أستر ، وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم . حتى إن منهم من